تنويه

يرحى العلم أن نسخ الحالة والحل ” الطبعة الاولى” قد نفذت من مكتبة الساقي ؛ نسخ الطبعة الثانية ستكون متوفرة في ذات المكتبة بنهاية مارس 2012 .

النموذج الكويتي للاضمحلال السياسي

على ثلاث أجزاء نشرت صحيفة الوطن الكويتية دراسة الكاتب عن ” النموذج الكويتي للاضمحلال السياسي ” ؛ أنظر

الجزء الأول :

http://alwatan.kuwait.tt/ArticleDetails.aspx?Id=137923

الجزء الثاني :

http://www.kuwait.tt/articledetails.aspx?Id=137992&YearQuarter=20113

الجزء الثالث :

http://alwatan.kuwait.tt/ArticleDetails.aspx?Id=138228

القائمة البريدية


للحصول على مقالات – دراسات الكاتب الغير منشورة للعامة ؛ تستطيع الانضمام إلى القائمة البريدية ؛ ستحتاج لذكر اسمك الثلاثي و بريدك الالكتروني في قسم مراسلة الكاتب .

نسخ كتاب الحالة والحل

بداية من 20/5/2011 تتوفر نسخ كتاب ” الحالة والحل ” في مكتبة الساقي ؛ لندن ؛ الكتاب لن يعد متوفراً للتحميل .

عنوان المكتبة :

Al Saqi Books 26 Westbourne Grove, London W2 5RH
Tel: (020) 7229 8543 – Fax: (020) 7229 7492

تنويه

على ثلاث أجزاء تنشر حالياً للكاتب دراسته ” عن الثورات الممكنة والشأن المحلي ” في جريدة القبس الكويتية ؛ يرجى ملاحظة أن النص المنشور تعرض لعمليات رقابة جزئية تتعلق بمستوى الحريات الصحفية المسموح بها ؛ كما أنه افتقد للهوامش التوضيحية و المصادر العلمية المثبتة بالدراسة الاصلية .

في هذا الموقع تتوفر نسخة للدراسة لم تطلها مقص الرقيب ومدعومة بهوامشها التوضيحية ومصادرها العلمية .

كما يجب التذكير أن هذا النص كتب بتاريخ 1/4/2011 فهو يغطي الأحداث إلى 31/3/2011 .


عن ” الثورات الممكنة والشأن الداخلي ”

في مناولة استكشافية هذه الدراسة تطمح لبناء أولي عن مفهوم الثورة . هي تستند إلى مبحثات ستة ؛ أخصص كلاً منها لجدل حول شكلية محددة ترتبط بالعملية الثورية ؛ منهجي في خلق هذا البناء يعتمد على أحداث يناير / فبراير / مارس 2011 كمنصة أرجع إليها ؛ كقاعدة واقعية لهذا البناء النظري ؛ لكن هدفي من هذه الدراسة هو الشأن المحلي العام لا التنظير العلمي الجاف : لما ُخلقت أسطورة الثورات العربية : التسونامي القادم الذي لن تستطيع ايقافه ؛ فأنا هنا وكلت لنفسي مهمة بيان سخافة هذه الخرافة في الحالة الكويتية على الأقل  . رغم أن نسق تفشي الثورات إلى دول أخرى في وباء جمعي يجتاحها ” تأثير الدومنو ” ( Domino Effect) أمر تعززه شواهد و أدلة 1؛ لكن ما لا ُيعزز هو الحتمية التاريخية لهذا المفعول ؛ فالمثبت فقط هو هذا المحفز السيكولوجي لكن في المحصلة الاوضاع الهيكلية لمجتمع ما هي محددة اتجاه الحراك الاجتماعي في هذا المجتمع لا العوامل الخارجية . في موازاة الأحداث الإقليمية أخذ الداخل الكويتي في التجمعات المطالبة بإقالة رئيس الوزراء بتوجيه ضغطه مباشرة بلا مواربة الآن للمركز القيادي الأول في البلد عبر تظاهره قبالة قصر السيف : مركز هيبة الحكم  ؛ هذه الرمزية تصعيد جديد له تبعات ! ؛ الآن الظروف شاءت لمكانة ” ناصر المحمد ” أن تتعدى حيز منصب رئاسة الوزراء ؛ أصبح خط الدفاع الاول للحكم ! بالاذعان لتغييره فأن مقاليد الحكم تتجه إلى الخروج من عباءة الأسرة الى الأبد ” هذا المختصر المفيد ” ؛ استسلام الحكم لرغبة شارع يتغييره يعني استعداد هذا الحكم للتحول إلى الشكل البريطاني للأمارة الدستورية ؛ يعني استعداده عن التوقف عن الحكم ؛ إذا نجحت غوغاء الشارع في فرض ارادتها على الحاكم بتغيير الرجل الثالث في الدولة ماذا يتبقى له ؟ . لكن  ُفهم التراجع الحكومي إزاء الحركات الاحتجاجية كخوف من هذا الحراك العربي العام ؛ أُغلق ملف الملاحقات القضائية و ُقبلت استقالة وزير الداخلية ؛ بل الاجواء تتلبد بشائعات استبدال وزراي كامل قد يطال الرئيس العتيد . لكن إذ سأبين تفصيلاً أن هذا التراجع الحكومي يدق الجرس لمزيداً من التصاعدية الاحتجاجية والتمرد المعارضي لا تهدئة منتظرة ! فقد رأيت الاهمية في شرح مفهومي عن إشكالات الثورات .

****

للمبحث الأول جدل تفصيلي عن دافعية الثورة ؛ لماذا تثور الشعوب ؟ فرضية الصالح العالم ( Public Good Motivation of Revolution ) كدافع للثورة تركها العلماء منذ زمن ليتبناها الحالمون الآن : سأفصل في الدافعية الاقتصادية للبناء الثوري ؛ في المبحث الثاني أتجاوز الأول لأتساءل عن البيئة الممهدة للثورة ؛ حتى بافتراض توافرية الدافع الاقتصادي للتمرد والغضب الشعبي ما هي البيئة الممهدة لقيام ثورة ؟ هل يثور الجمهور في الديمقراطيات ؟ في شبه الديمقراطيات ؟ هل ُيجرأ على الثورة في قمعيات صريحة ؟ ما الدور الذي تلعبه ثنائية القمع / التمرد ( Dissent / Repression Nexus ) في خلق الثورة ؟ ؛ لما ناقشنا الأوضاع الهيكلية لمجتمع ما قبل الثورة في المبحث الثالث أخوض في العملية الثورية ذاتها فما آلية التعبئة و الحشد ؟ هل هي الميديا التلفزيونية ؟ . مبحثي الرابع  أُسخف فيه أوهام تفاعلات التدخل الاجنبي على مخرجات الثورة : تسقط هذه الأوهام بالتحليل العقلاني ؛ فوداعاً ” عقيدة بلير ” ! لكني سأرجع في مبحثي الخامس للتأكيد على أصولية دور النخبة على هذه المخرجات : فلم يسقط النظام المصري إلا دور الجيش ؛ أخيراً للمبحث السادس تشديد على مركزية أفعال النظام في وسط هذه العملية الثورية ذاتها . في هذه المباحث الستة اعتمادي تطبيقي دائم على أحداث يناير / فبراير / مارس 2011 منها استخرج الأساس النظري لما أدعيه . بهكذا أصل لمفهومي الاستطلاعي الأولي عن الثورة .

****

لكن قبل الولوج في المبحث الأول لا بد من توطئة للاتفاق على ُمسلمة تعريفية ؛ ففي هذه ” الدراسة ” لا أميز بين الثورة الكاملة وما بين الحراك الشعبي ( تظاهرات / اعتصامات / حملات حقوق الإنسان ) أصنفهم جميعاً في وعاء واحد كحركات اجتماعية ( Social Movement ) . سيرفع هذا علامات استفهام كثيرة لدى العوام لكن أخشى أن هذا ليس هو الاتجاه العلمي السائد حالياً فحسب ؛ لكنه الاتجاه العلمي الوحيد . في ثلاث مراحل حاول المفكرون تأطير العلاقة بين الثورة / الحركة الاجتماعية ؛ في المرحلة الأولى كلاسيكية سكوكبول ( Skocpol Theda) ترى وجود اختلاف هيكلي في التنظيم و الغايات بين الحركات الاجتماعية و الثورات لكنها ستفشل في تفسير تحول بعض الحركات الاجتماعية إلى ثورات كاملة ما دامت ترى الاختلاف هيكلي في الغايات و التنظيم . لتأتي بعدها مرحلة ثانية عالجت هذا القصور حين اقترحت تشابه الحركات الاجتماعية والثورات فوضعتهم في وعاء واحد ؛ فحصرت الفروقات في المدى و الحجم فقط ؛ ” فالأوضاع الثورية تشابه الحالات القصوى من دورات الحركات الاجتماعية ” 3 ؛ أهمية هذه الفرضية تقرن بالأوزان العلمية الثقيلة التي تقف خلفها ؛ تارو ( Sidney Tarrow) و تيلي (Charel Tilly) ؛ أما أحدث الفرضيات لجولدستون ( Goldstone ) فهي تشترك مع الأخيرة في باديتها على الأقل  ” فلا فرق بين الحركات الاجتماعية والثورات فجميعهم يشتركون في ذات الأوضاع الهيكلية “3 ؛ لكنهم يختلفون في المخرجات ” فتطور الحركة الاجتماعية إلى ثورة كاملة يعتمد على كيفية تعامل النظام ؛ النخبة ؛ الجماهير مع الحدث الثوري ” 3 . ثم حتى بتتبع الحدث الكويتي ؛ الاعتصامات والتظاهرات حتى وإن ُأخفيت بستار فعل المشاركة السياسية الديمقراطية والحريات العامة فإن أصحابها لا يمايزونها عن الثورة ؛ خذ مثلاً تظاهرة ( 8 مارس ) المتحدثون بأنفسهم وصفوا حراكهم بالثورة ( أربع مرات يصعب علي اعتبارها زلات لسان ) 4 . إذا لست لوحدي من يذهب في اعتبار الحراك الشعبي الكويتي بركان خامد ينتظر ثورته .


المبحث الأول

عن الدافعية الاقتصادية للثورات


ربط الحراك الشعبي ( Social Movement ) بخلفية اقتصادية زعم يحظى بقبول علمي واسع ؛ الاحتجاجات الشعبية ترتبط دائماً بسوء الحالة الاقتصادية المجتمعية : هذا هو هدف التغيير ! هذه ” حكمة تقليدية ” الآن . منهجي في إسناد هذا الزعم سيسعى في اتجاهين ؛ أولا سأستعين بأدلة ذات أبعاد تجريبية وعلمية ثم سأذهب لاستقراء أحداث يناير / فبراير 2011 في إثبات تطبيقي لهذا الأساس النظري .                                                                                                    أُنظر في التجارب التاريخية للثورات الكبرى تكتشف جمعها جميعاً لدوافع اقتصادية ( الثورة الانكليزية رداً على فرض الملك تشارلز الأول ضرائب ؛ الثورة الفرنسية الكبرى تتبع ذات النمط ؛ الثورة الأمريكية ارتباطها واضح بتتابع الحمل الضريبي على المستعمرة ؛ ثورة أكتوبر الحمراء نتجت عن مجاعة الحرب العظمى ) ؛ حراك انهيار الشيوعية في دستة بلدان جاء رداً على المستوى الاقتصادي المتردي المرتبط بانخفاض سعر برميل النفط وارتفاع سعر طن القمح ؛ حتى فحص أخر الثورات ” الملونة ” يصب في هذا المنوال ( الأوكرانية / الجورجية / الصربية / القرغيزستانية / …  ) 5.

ثم أن التفاوت في معدلات دخل الطبقات ( Economic Inequality ) واختفاء الطبقة الوسطى في مجتمع ما يرتبط بحالات الفوضى السياسية ( تظاهرات شعبية / عصيان مدني / اضرابات / ثورات ) التي يشهدها هذا المجتمع ؛ فبدراسة 71 دولة في فترة 1960-1985 وجد ارتباط فعلي بين هذا التفاوت وهذه الفوضى 6 . فالاستقرار السياسي لا يتعزز إلا بوجود طبقة وسطى . هذا التفاوت الاقتصادي لا ينتج عنه فوضى سياسية فقط لكنها تتطور بسهولة إلى حالات عنف سياسي وثورة 7 . كما أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي ( كممثل عن النمو الاقتصادي في بلد ما ) يعكس الاستقرار السياسي في هذا البلد 8 . ” فالأشخاص ذوي الاختيارات الاقتصادية البديلة أقل احتمالاً للمشاركة في فعل تظاهري ” 9.

هكذا نصل إلى بيت القصيد ؛ حين تشتعل الثورات دوماً تجد خلفها مسببات اقتصادية دافعة للجماهير لتخرج وتتظاهر وتعتصم وتصارخ ؛ لكن عندما يسود الازدهار الاقتصادي يجد الجميع شيئاً أفضل لفعله .  ُيستطاع الجدل النظري لساعات حول المبادئ والقيم التي تدفع الجماهير للثورة لكن هذا لن يغير من الحقيقة شيئاً ؛ لن يفسر هذا الارتباط العلمي المثبت بين الثورة وسوء الأحوال الاقتصادية ؛ أمليء حساباتهم المصرفية ولن يتذكر أحداً هذه المبادئ .

حالة مصر أمثولة رائعة لهذه الادبيات النظرية ؛ في بداية الانتفاضة مطالب حركة 6 ابريل قائدة التجمع كانت شعبوية بامتياز ؛ منشور دعوة المشاركة في يوم الغضب ( 25/1/2011 ) عدد 7 نقاط تهيجية اعتبرها دافعاً للمشاركة في التظاهر والاعتصام ؛ لكن فقط آخر اثنتان تحملان أبعاداً سياسية ؛ النقاط الخمس الأولى تدور في فلك اقتصاد – شعبوي خالص :  لست قادراً على تجهيز أبنتك للزواج ؟ أخاك للتو أنهى دراسته ولا يجد عملاً ؟ هل طردت من عملك ؟ هل تريد تعليم أفضل لأبنك ؟ هل أسعار المواد الغذائية في ارتفاع مستمر ؟ إذا أخرج للشارع ! 10 . بيان الحركة الرسمي لم يتجاوز هذا الإطار أيضاً ؛ فهو لم يتحدث عن رحيل الرئيس حسني مبارك أو تغيير النظام وإنما حصر مطالبه في الاقتصاد ( حد أدنى للأجور / ضبط للأسعار / ربط الرواتب بالتضخم ) وحتى حين طالب سياسياً لم يرفع السقف كثيراً ( إقالة وزير الداخلية / إخراج معتقلين / وقف العمل بقانون الطوارئ ) 11 . لأجل هذا خرج المصريين بعشرات الآلاف أملين بمستقبل معيشي أفضل ؛ ولأجله رددوا وهتفوا بمطالبهم المعيشية 12؛ صيرورة تحول الحدث إلى شكله السياسي كان نتيجة صورة ذهنية لدى هذا الخزان البشري الجائع ربطت ما بين رحيل النظام وتحسن الوضع الاقتصادي ؛ ” فأثناء التظاهرات الجماعية عندما تمزج الجماهير معاً فإنه ضمن ديناميكية محددة تخضع هذه الجماهير لعملية تغيير في هويتها الجماعية فتجمح إلى تبني أراء أو معتقدات متطرفة لم تكن تحملها قبل دخولها في هذه الجموع المتظاهرة “13. هنا الأقلية ذات الأجندة السياسية الراديكالية نجحت في جذب الغالبية البسيطة إلى فضاءات أخرى فرفعت سقف مطالبها من المعيشي إلى السياسي .

إذا نخلص إلى درسان ؛ يتنافسان في الأهمية ؛ أولا الدوافع الاقتصادية هي المحفز التحشيدي الأكبر لإخراج الناس إلى الشارع ؛ ثانياً كل إطالة للفعل التظاهري ينتج عنه جرعة تطرف جديدة تنقل التظاهرة إلى سقف مطالبات أعلى ؛ على الحكم الحيلولة دون هذه الإطالة باستخدام ثنائية ( القمع / الاستيعاب ) سريعاُ .

حتى في تونس ؛ شرارة بداية الثورات : هذا التونسي الذي احرق نفسه ؛ هل أحرق نفسه لأجل الديمقراطية ؟ أحرق نفسه للدفاع عن حرية التعبير ؟ أم أحرق نفسه دفاعاً عن دستور ؟ لا لا لا ! احرق نفسه احتجاجاً على منعه من كسب قوت يومه  ليس إلا . شعار حملة كلينتون الانتخابية 1992 يلخص كل شيء : ( It’s the Economy, Stupid ) .

الآن لنسقط كل هذا على الحالة الكويتية ؛ لا تجد عوامل اقتصادية هنا ؛ المستوى المعيشي للمواطن الكويتي أفضل من رائع ؛ معدل دخل الأسرة الكويتية من الأعلى عالمياً 14؛ نصيب الكويتي من الناتج المحلي الإجمالي قوي للغاية 15؛ معدلات نمو الاقتصاد المحلي حتى في ظل أزمة اقتصادية مثيرة للإعجاب 16؛ سعر برميل النفط : المصدر الأساسي لدخل الدولة في الصاعد لا النازل 17؛ البطالة تتوقف عند نسبة تكاد تجعلها معدومة 18؛ إما محور التفاوت في توزيع الدخل ( Economic Inequality) فالدراسة الوحيدة لأرقام 1972-1973 تعتبر ” الكويت دولة معتدلة في تفاوت الدخل مع معدل دخل فردي عالي ” 19؛ ثم بالأجراءات التوزيعية ( Redistribution Measures ) منذ ذلك الوقت ” بدلات ؛علاوات اجتماعية ؛ كوادر ؛ إسكان ؛ منح ”  ُيفترض المزيد من الإنخفاض في هذا التفاوت ؛ كما أن معدل الدخل الفردي العالي سيطفأ تأثير هذا التفاوت أيضاً بتنميته للطبقة الوسطى . ثم الكويت كمشروع دولة ؛ دعك من كل هذا العويل الإعلامي في أفضل حالة ؛ على الأقل نيوزويك تراها هكذا 20 .

غياب الدوافع الاقتصادية لا يعمل إلا على تذليل القدرات التجميعية لأي محاولة ثورية أو تظاهرية . ذهنية ديسمبر 2009 يجب أن تتوقف حالاً 21؛ تلك حالة خاصة لا سياسية دوافعها عشائرية فزعوية تجاه ما اعتبرته إساءات طالت كيان وجودها ؛ احتمال تكرارها أو تجمع عدد مشابه بدون استفزاز مماثل ينعدم تقريباً . ثم الأحداث الأخيرة ( تجمع المسجد الكبير / تجمع الافنيوز / تجمع 8 مارس ) 22 سجلت سخافة القدرات التجميعية لقوى المعارضة حين يُخرج العامل الاجتماعي من المعادلة . فحين يتجمع هؤلاء ؛ تستطيع فرزهم ؛ هنا الاقلية : يصطف المتسلقين محبي فلاشات الكاميرات ؛ وهنا الأغلبية فتصطف ” جماعات الفراغ والترف السياسي ” : لا تهمل الجانب الترفيهي ؛ في ميكانيكية قرار المشاركة في الأعمال الجمعية ( Collective Actions)  ُتثبت ” القيمة الترفيهية للمشاركة في العمل التظاهري “ Entertainment Value Of Participation 23 ؛ وهي قيمة بسيطة في ثورات الرجال – الدموية لكنها ” تشكل جانباً كبيراً من قرار المشاركة في حركات الشباب الهزلية ” 23؛ خصوصاً في بيئة مترفة كالكويتية ؛ هولاء ناشطين جداً الآن لكن مع أول قنبلة مسيلة للدموع ستحتاج للبحث عنهم في أحضان أمهاتهم 24؛ فالمادة الخام للثورة ؛ وقودها الفاعل هم الجياع ” اعطني جائعاً… أعطيك ثوري ” و في رواية ” أعطيك ثورة ” . كون الكويت تتمتع حالياً بمستوى اقتصادي فوق المرتفع فلن نحظى بثورة شعبية في المدى القريب . قد يثور الكويتيين ؛ قد أراهم يخرجون للشارع في تظاهرات ضخمة ؛ لكن ليس الآن ربما بجفاف أخر بئر نفط عندما ينهار نموذج الدولة الريعية 25؛ هم الآن جميعاً حملة أسهم في شراكة تجارية ذات توزيعات نقدية عالية ؛ من سيرغب بتخريب أصل ثمين ؟


المبحث الثاني

بيئة تمهيد الثورة … أين تثور الشعوب ؟


أهدف لتبيان شكل البيئة المعززة لفرص تطور ” وضع ثوري” متى تثور الشعوب ؟ ما الظروف القامعة للثورة ؟ ما العوامل الممهدة للثورة ؟ هل تثور الشعوب عند ظلم الحاكم واستبداده ؟ أم حين تراخيه و تردده ؟ برسم معالم هذه البيئة يغلق الباب المفتوح لأي فرصة ثورية كويتية . مسرعا اقفز إلى تأمل الحدث المصري ؛ عند تثبيت المتغيرات اعقد مقارنة مستحقة : لماذا ثار المصريين ولم يثر السوريين ؟ لماذا خرج المصريين للاحتجاج ولم يفعل السوريين ذلك ؟ ؛ هذه مقاربة تجريبية أطمح خلالها للوصول إلى فرضية عامة حول ” بيئة تمهيد الثورة ” أنقلها بعدئذ للكويت .

( في 1/2/2011 مئات الآلاف من المصريين يهتفون ضد الرئيس مبارك في ساحة التحرير …… في 29/3/2011 مئات الآلاف من السوريين يهتفون للرئيس الأسد في مدن سوريا 26 ؛ لماذا ؟ )

بالمقارنة البحثية هذه مفارقة جدلية : دوافع السورين للثورة تفوق بمراحل دوافع نظرائهم المصريين إذ تفوق مصر سوريا بكل المؤشرات تقريباً . اقتصاديا تسبقها كثيراً بمعدل دخل الفرد ونصيبه من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لتعادل القوة الشرائية 27؛ و بمعدلات النمو الاقتصادي للسنوات الخمس الماضية 28؛ حين اتجه للسياسة تظل الأوضاع تميل لكفة مصر فتتفوق بمؤشر الديمقراطية و مؤشر حرية الصحافة 29 ؛ وكذلك تحظى باهتمام أقل من منظمة العفو الدولية التي تركز دوماً على انتهاكات سورية لا مصرية لحقوق الإنسان 30 ؛ مؤشرات الحوكمة تستمر في نفس النمط فترتب مصر أولاً في جميع أبعادها الستة عن سوريا 31؛ حتى حين مراقبة سجلات الفساد واستغلال المناصب تبدوا النخبة المصرية في أفضل حالاتها أمام نظيرتها السورية 32. لكن هذه الصورة القاتمة للوضع السوري تضع الرهان عالياً على ثورة تجتاحها لا مصر المنفتحة والمتقدمة اقتصادياً نسبياً ؛ دوافع المصريين للثورة ليست بالمقنعة ؛ حتى بالبحث في عوامل أنثروبولوجية تبرر تحفز المصريين للثورة وتخامل السوريين تجد النقيض تماماً ؛ صورة المصري في التراث لم تتغير : فلاح مسالم ذليل متقبل لسلطة الحاكم ” قال الخصب : أنا لاحق بمصر فقال الذل وأنا معك ” ؛ ” رجالها عبيد لمن غلب ” 33 . محللي الثورات يتوقفون عند مصطلح ” الإطار الثقافي ” ( Cultural Framework ) للإشارة إلى مفاهيم القيم ؛ الافتراضات المسبقة ؛ الرمزيات التراثية وصولاً إلى الخلفيات الثقافية السائدة التي تحكم مجتمع ما . يؤكدون على لعب هذا الإطار لدور محوري عبر صياغته لانطباعات العامة تجاه النظام / الحركة الاحتجاجية أثناء ” العملية الثورية ” . فقمع وسجن المعارضين قد ينظر له على أنه وسيلة لحفظ الأمن والاستقرار لا على أنه استبداد سلطوي ؛ خسارة النظام لحرب ؛ فساده الإداري / المالي ؛ سوء إدارته قد ينظر له على أنه امر طبيعي لا يمكن تفاديه وليس كدليل على عدم قدرة النظام على الحكم . حتى طغيان الملوك قد ينظر له على أنه جزء من باقة ” حق الملوك الإلهي ” . تفسير الشعب لكل هذا ؛ ثورته على حاكمه أو إذعانه له يعتمد على إطاره الثقافي المسبق 34 ؛ 35 .

الإطار الثقافي المصري واضح جداً ؛ لا تظهره مقولات كعب الاحبار وعمرو بن العاص فحسب ؛ حتى التاريخ يظهره فلم ينتفض المصريين إلا مره واحدة في القرن العشرين كله 36؛ مقابل عشرات الثورات والانقلابات السورية . بعد هذا كله يظل السؤال معلقاً : لماذا ثار المصريين ومنذ السبعينات توقف السوريين عن ” عادتهم في الثورة ” ؟ المبادئ النظرية الظاهرية ؛ ” الظلم والطغيان يولد الثورات ” ؛ ” الشعوب تنهض لتثأر لكراماتها ” لا تقارب الخضوع السوري ولا الثورة المصرية ؛ من الأولى بالاستنفار ضده ؟ نظام شبه مفتوح أم نظام دكتاتوري صريح ؟                                                                                                                                                                                              الإجابة على الحائط ؛ غلب العقلي على الحسي وستراها واضحة : البيئة المفتوحة للنظام المصري ( انتخابات شبه ديمقراطية / إعلام مفتوح / حضور منظمات المجتمع المدني / جو متساهل من حرية التعبير) سهلت مسببات الثورة أولاً ومن ثم قيامها ثانياً ؛ لكن سوريا الأسد أغلقت الباب بالكامل تجاه كل هذا فقدمت نفسها صراحة على أنها دولة بوليسية توتاليتارية فقمعت ممهدات الثورة في المهد : تريد الثورة والتظاهر لما لا ؟ لكن ودع عائلتك أولاً ؛ فمثلا تحت تأثير النموذج المصري نظمت مجموعة على ” الفيس بوك ” تجمع تظاهري في دمشق ؛ ما حدث أن حتى حركة التسوق في المنطقة المحيطة بالموقع أصابها الشلل والجمود 37؛ السوريين ليس فقط لم يجرؤوا على التظاهر و إنما لم يجرؤوا على التسوق البريء أيضاً : أحداث حماة ليست بالبعيدة وأراهن أنها على بال السوريين . تظاهرات هامشية في مدينة حدودية لا تحتسب : لاحظ حين تظاهر المصريين في أكبر ساحة بوسط القاهرة و تظاهر البحرينيون في وسط البلد ؛ مثلهم مثل يمني صنعاء لكن السورين لا يجرؤون إلا على التظاهر في بلدة حدودية أقرب إلى الأردن من إي مركز  حضري سوري أخر . وعددهم ؟ لا يتعدى العشرات مقارنة بعشرات الآلاف يتظاهرون في القاهرة وصنعاء وبنغازي والمنامة . وحين جاءت دعوة من جديد للتظاهر في ساحة ” شمدين ” كبرى ساحات دمشق ؛ ماذا كانت النتيجة ؟   ” لكن أي شيء غير طبيعي لم يظهر في المنطقة باستثناء الوجود الأمني الاحترازي ” 38. لماذا يا ترى ؟

حتى الإجراءات الاستيعابية للنظام السوري كانت أقل من نظيرتها المصرية ؛ ” البدء في تشكيل لجان لدراسة تغيير قوانين الطوارئ و الأحزاب والإعلام” لاحظ دراسة ولجان !  لاشيء صلب ! ومع ذلك هذا كان كافياً لإسكات السوريين بينما حتى تغيير الدستور وتفويض الرئيس لصلاحياته لم يرضي المصريين . هل تعلم لماذا ؟ لأن النظام السوري لا يقدم تنازلات ! في ذات الوقت الذي كانت مستشارة الرئيس السوري تعلن به هذه الباقة الاستيعابية كانت وكالة الأنباء الفرنسية تعلن وصول عدد قتلى درعا إلى المائة 39. دعوة ثالثة للتظاهر في ” جمعة العزة ” في 25/3/2011 في عموم المحافظات السورية لم يكتب لها التحقق ؛ جمعة الذل و المهانة ! أولاً فقط مئات يتظاهرون في دمشق تفرقهم قوات الأمن سريعاً ؛ وثانياً غابت أي دلالات لهذه التظاهرات حين خرجت تظاهرات مساندة للنظام في عموم البلدات السورية . ثالثاً هذه المظاهرات لم يكتب لها الاستمرار . بمزجه لقرارات استيعابية وقمعية نجح النظام في وأدها .

الأيام القادمة كفيلة بتبيان صحة فرضياتي … هل سقط النظام الذي قدم القدر الأكبر من التنازلات (مصر) ؟ هل ظل نظام الحزم والشدة (سوريا) ؟

نخلص إلى الفرضية الأساسية :

للثورات الشعبية عوامل دفع لا تنمو إلا في بيئات ممهدة : عندما يكون النظام شبه ديمقراطي ؛ متساهل ؛ متردد ؛ يعوزه الحزم والشدة يكون مؤهلاً للسقوط ؛ ” فالناس العقلاء لا يهاجمون أنظمة محصنة عندما تكون الفرص السياسية مغلقة ” 40؛ الأنظمة القمعية المستبدة ( طالما ظلت مستبدة وقمعية )  في مأمن من هذا الخطر . ” فاليأس العام وانتشار المظالم داخل مجتمع ينتج عنه الإحباط ؛ المقاومة السلبية وحتى الاكتئاب لكن إرادة التغيير تستدعي تغيراً في ظروف الحكم والنخبة لتتشجع على الحركة ” 41. لا تستغرب هذه الفرضية ؛ تعداد الثورات الناجحة في مرحلة 2000-2010 يظهر نشوئها ليس في دول دكتاتورية أو قمعية ! أنتبه مره أخرى ! ليس في دول دكتاتورية أو قمعية ! لكن في بيئات يصفها علماء السياسة ” بيئات شبه ديمقراطية ” ” بيئات هجينة تحوي عناصر ديمقراطية وأخرى استبدادية ” ( Hybrid Regimes ) في منطقة رمادية تتوسط الدكتاتورية والقبول بالديمقراطية ؛ البيئة الجورجية ؛ البيئة الاوكرانية ؛ البيئة الصربية ؛ البيئة القيرغيزستانية 42 تعتبر أماثيل حية لهذا وجميعها أنتجت ثورات أزاحت النظام القديم ” شبه الديمقراطي “. ففي الديمقراطيات الكاملة قبول تداول السلطة يوفر استقراراً سياسياُ ؛ في القمعيات الكاملة سلطوية النظام توفر هذا الاستقرار لكن هجينية الأنظمة ” شبه الديمقراطية ” لا توفر لا هذا ولا ذاك : هذه علتها الهيكلية ! كونها حاملة لجرثومة تحللها في هيكلية نظامها فإن ” الدول شبه الديمقراطية ” تواجه خطر الانقراض قريباً ؛ أمام النخبة الحاكمة يبدو خيار التراجع عن التنازلات الدستورية والانقلاب إلى دكتاتورية صريحة يحمل وزناً مقابل قرار القبول بديمقراطية تامة و الاكتفاء بدور برتوكولي في الحياة السياسية . فدعك من الصورة السائدة ؛ لماذا الثورات الأخيرة حصلت جميعاً في بيئات هجينة لا بيئات استبدادية بالكامل ؟ هل الاستبداد والطغيان يقمع الثورات أم ينميها ؟ هل تتغذى على ضعف النظام وتساهله وتجمله الديمقراطي ؟ هل تبدأ حين يبدأ النظام في تقديم تنازلات ؟

****

لا أنتهي هنا ! نحتاج الآن لجدل متعمق في طبيعة ثنائية ( السياسة القمعية والفعل الثوري/ التظاهري ) ؛ ألجأ الى الدراسات الإمبريقية فأجد تضارب عنيف ؛ حيناً للقمع أثر ايجابي على الحركة الاحتجاجية 43؛ حيناً له أثر سلبي 44؛ ثم أخيراً له علاقة تشابه حرف اليو الانكليزي ( U ) مقلوباً: ” بداية التفاعل بين الإجراءات القمعية و الفعل الاحتجاجي / الثوري يولد ردة فعل ثوري تتناسب مع حجم الإجراءات القمعية  ؛ لكن زيادة في جرعة القمع تؤدي إلى ثبات الفعل الثوري / الاحتجاجي أولاً ثم زيادة أخرى توقف هذا الفعل الاحتجاجي بالمطلق “54 . كيف أبرر هذه الاختلافات الإحصائية ؟ ؛ كيف يُفسر نجاح الإجراءات القمعية حيناً وفشلها حيناً أخر؟ سأحتاج للغوص أكثر. تبعاً لنظرية العملية السياسية ( Political Process Theory ) فإن القمع يقلص هيكلية الفرصة السياسية بما يزيد من كلفة العمل الجماعي ( Collective Action ) وبالتي يقلل العمل الاحتجاجي ؛ تتفق معها جزيئاً نظرية الاختيار العقلاني ( Rational Choice Theory ) ؛ بزيادة المظالم (Grievances ) يزداد الميل لدى الأفراد للمشاركة في العمل الجماعي ؛ لكن بنفس الوقت كلفة المشاركة في هذا العمل الجماعي تزداد بفعل الإجراءات القمعية ؛ بالموازنة العقلانية بين هذان العاملين يُحدد قرار المشاركة من عدمه . هذه النظريات تفسر شيئاً على الاقل ! ؛ عامل كلفة المشاركة في الفعل الاحتجاجي ينقلنا إلى دور طبيعة النظام السياسي القائم في تحديد شكل العلاقة بين القمع وردة فعل المعارضة ” فالقمع السلطوي يجابه بتصعيد مماثل من قوى المعارضة في الديمقراطيات ؛ لكن مستوى عالي منه له فعاليه عظمى في الأنظمة اللا-ديمقراطية ” 46. كذلك يسجل دوراً لدرجة القمع المُوظفة ” فخطر العنف يعمل على زيادة غضب المعارضة وحراكها الثوري ابتدائياً ؛ إلى عتبة محددة من القمع الحكومي بعدها يفسح الغضب مجالاً للخوف ” 47. كما أن ” السياسات الحكومية الثابتة و المستمرة في القمع / الاستيعاب تقلل الانشقاقات الثورية لكن تأرجح هذه إلاجراءات بين القمع تارة والتنازل تارة أخرى يعمل على زيادتها ” 48 . ” فتأرجح الحكم المستمر بين الإجراءات القمعية و الإجراءات التنازلية يظهر تقلبه بالتالي عجزه وقلة حيلته ” 49 . لهذا لم يمل الداهية ميكافيلي من تحذير أميره من مغبة تقديم تنازلات إلا من موقع قوة ؛ تقديمها تحت ضغط الشارع سيجر المزيد بعدها إن لم يجر الثورة كاملةً . ثم ” هذا يفسر لماذا الثورات تعقب مزيج من الإصلاحات و القمع معاً ” 50 .

هذه ليست دعوه للقمع ؛ على الأقل ليست دعوه مفتوحة ؛ فكما تظهرها هذه الدراسات ؛ المفاعيل تخضع لعدة متغيرات ؛ يُحتاج لحنكة سائس محترف لا التخبط المعتاد .

ثم حين نرجع إلى الحالة الكويتية لا نجد ما يسر أبداً : أتفق الباحثون على هجينية النظام السياسي الكويتي ؛ فهو ” نظام مهيمن سلطوي لكن انتخابي ” ( Hegemonic Electoral Authoritarian )؛ هو ” نظام هجيني أكثر استمرارية ” More Persisting Hybrid Regimes ) 51 ) ؛ نظام بدون خطة كبرى للحكم أو الإدارة ؛ حيناً يساير الشارع تقبلاً لنتائج العملية الاقتراعية ؛ وحيناً أخر يحاول ؛ بلا جدوى القمع . هذا يشعل ضوء احمر فالخلاصة بسيطة ومباشره : بالنهج السياسي المتبع الأنظمة الحاكمة ذاتها تختار بقائها من عدمه . الأوضاع الهجينة لا تستمر ؛ إما تتنازل الطبقة الحاكمة عن سلطاتها وتكتمل عملية التحول إلى ديمقراطية تامة أو تنقض على هذا المسخ الديمقراطي وترجع الى الاستبدادية المطلقة .

ثم تبرز نقطة جانبية ؛ الإطار الثقافي لحاملي الجنسية الكويتية في تحول راديكالي- سريع لاحظ تغير الخمسة أعوام السابقة على العقل الجمعي لقواعد قوى المعارضة الاجتماعية الآن : مزاجهم تصعيدي هائج ! ولا تبدو الايام القادمة إلا حاملة لمزيد من الهيجان في هذا المزاج ؛ إذا  ُيدق الجرس باكراً فمفعول الحل القمعي يجري عكس عقارب الساعة ؛ مباشرته اليوم يحمل فرص نجاح تفوق فرصه غداً ؛ مباشرته غداً تتفوق على فرصه بعد عامين أو ثلاثة . ثم الالتجاء إلى حلول قمعية الآن بظل وجود رعيل أول من كبار سن لم يتشرب بجرعة ثورية يحمل وزناً إذ سيعمل هؤلاء كعامل تثبيطي لن تجده بصفك بعد 10 أعوام .


المبحث الثالث

الصورة بديل البندقية : الميديا التلفزيونية تقود الثورة


لما تجاوزت المنظومة الاعلامية أنساقها الاعتيادية و قفزت إلى المساهمة في بناء الحدث لا الإكتفاء بصياغه شكل اخراجه النهائي ؛ فإن مساهمة الميديا التلفزيونية العابرة للسيادة كانت مرجعية في تكييف الاحداث لمقاربات محددة 52 . التالي محاولة لمعالجة هذه المساهمة و تبعاتها .

بتبني الحالة المصرية فإن غياب الصورة الحية خلال ” العملية الثورية ” ( Revolutionary Process ) كان سيكون عامل مثبط ضد التعبئة والحشد .  سلاح مجرب في الاوقات العصيبة : أخلق أجواء تعتيم و أملئها بالإشاعات والأخبار المغلوطة وخلف هذا الضباب الكثيف من الشكوك والريبة والخوف لن تجد من يجرأ على الحركة والتظاهر ؛ لب المعارضة المؤدلج سيخرج لكن ما يهمني هو ثني رجل الشارع العادي متأرجح الرأي عن الخروج ؛ من يكسب رجل الشارع العادي يكسب المعركة ؛ دوامة من الأفكار والآراء والمخاوف تعتمل في عقله 53؛ هذه الأفكار و المخاوف لا تعمل إلا على ثنيه عن المشاركة ؛ لكن تأرجحه لم يطل طويلا حين رأى المتظاهرين مباشرة في ساحة التحرير ؛ ألوف مؤلفة ؛ يغنون ويطالبون ؛ بأمان تام 54 فسقطت كل هواجسه ونزل للشارع .

في سيكولوجية قرار المشاركة في العمل التظاهري الجمعي ” نموذج الحساب العقلاني ” (Rational Calculus Model Of Crowd Action ) يقول ذات الأمر ؛ هو يتضمن خمس خطوات عقلية ؛ أولاً أفراد الحشود تحاول جمع معلومات عن الأوضاع المستجدة ؛ ثانياً تستخدم هذه المعلومات للتنبؤ بالتطورات المتوقعة ؛ ثالثاً بالبناء على هذه التوقعات ُتعدد الخيارات المتاحة أمامها للحركة ؛ رابعاً ترتب خياراتها حسب النتائج المتوقعة لكل خيار ؛ خامساً تذهب مع الخيار المتضمن تقليلاً للخسائر وتعظيماً للمكاسب 55. حين تقطع الإمداد المعلوماتي كيف تستطيع هذه الجماهير جمع معلومات لتقويم الوضع ؟ كيف تستطيع التنبؤ بالتطورات المتوقعة ؟ كيف تستطيع حساب احتمالات خسارتها ( قتل ؛ سجن ؛ خسارة وقت في عمل لا يجدي نفعاً ) ؟ حين توقف المد المعلوماتي فإنك فعلياً تنقض على عملية الحراك الجماهيري في مهدها.

هذا ليس كل شيء فالبث الحي 24 ساعه على 24 ساعة ؛ الكذب المباشر في تقدير عدد المتظاهرين 56؛ ترديد عشرات الاخبار العاجلة ؛ المبالغه في القيمة الاخبارية وحتى مصداقية هذه الاخبار هذا كله خلق حالة من ” الحتمية ” و ” التاريخية ” لها تاثيرات سيكولوجية على المصري البسيط : أوحى بقرب سقوط النظام حتى قبل فقده لمراكز قوته 57؛ عندها تدافع الجميع لإبعاد أنفسهم عن قضية خاسرة والقفز إلى سفينة المعارضة  التيار العلمي السائد يقول ذلك : ” بالتعرض الكثيف لوسائل إعلامية موجهة يتشكل رأي عام خامل أو فاعل يدفع باتجاه مواقف تتفق مع المحتوى المبثوث . ميل المشاهدين للإيمان بهذا المحتوى يتناسب مع عدد ساعات المشاهدة ” 58. إحدى تفسيرات الحراك الشعبي في ثورة أوكرانيا تجد صداها في هذه النظرية 59 .

بحالة مصر يبدو النموذج جذاب للغاية ؛ شاهد المصري العادي تغطية قناة الجزيرة الفضائية للحدث باهتمام بالغ 60؛ حكماً للمحتوى الإعلامي المنحاز فإنه مع كل ساعة مشاهدة يزداد اعتقاده بعدالة قضية المعارضة وبحتمية سقوط النظام ؛ بساعات مشاهدة إضافية يتحول هذا الاعتقاد إلى قناعة تامة تدفعه للمشاركة في صنع الحدث 61 .

كذلك التجارب التاريخية في فترة (2000-2010) جميعها شهدت نفوذاً لافتاً للميديا التلفزيونية في إنجاح الثورات ؛ في جورجيا خرجت الجماهير بالملايين بفضل قناة تلفزيونية 62؛ أوكرانيا هي الأخرى شهدت السيناريو ذاته : قناة تلفزيونية واحدة تكسر العتمة المعلوماتية التي فرضها النظام وتنقل الثورة إلى أبعاد جديدة 63. الثورة الصربية تبعت نفس الاتجاه أيضاً 64.

****

إذ حققنا أساسية الميديا التلفزيونية في حسم ” الاوضاع الثورية ” نفحص الآن تعامل النظام المصري مع وسائل الاعلام . توالت الأخطاء والخطايا : أولاً سمح بالنقل الحي للحدث من داخل الاراضي المصرية : كان في استطاعته حرمانهم من الصورة الحية ؛ تردد ولم يمنع 65 ؛ ثانياً حتى حين أراد الحجب لم يستخدم سلطة الدولة المباشرة فلجأ لإجراءات قرصنة وتشويش انقلبت ضده . هنا لا أرى رحيل النظام المصري كحاجة شعبية فقط ؛ مع هذه الخطايا هو ضرورة عقلية : هذا نظام ليس مؤهلاً لإدارة أزمة كيف يدير بلد ؟66                                                                                                                               في مقاربة الحالة الكويتية تبرز شكليتين : مدى فعالية غلق البلد إعلامياً ومدى قدرة مؤسسة الحكم على تحمل الكلفة السياسية لهذا الاغلاق . أرى الوضع مشرقاً ؛ صغر البلد مساحياً و ديمغرافياً يسهل عملية غلقه إعلامياً ساعة الحقيقة ؛ ثم للإعلام العالمي لا تبدو الكويت – الإمارة الصغيرة بذالك الأهمية الجيوسياسية لتعطى مساحة تغطية كالتي خصصت للدراما المصرية ؛ أما الإعلام العربي فهو عربي بالنهاية ! : أداة تحكم دعائية أكثر منها وسيلة إعلامية ؛ فطالما العلاقات أخوية مع حكام السعودية و قطر فلا داعي للقلق 67. هذا يخفف الشحن الإعلامي نسبياً لكن يتبقى مخاض القرار ذاته : هل ستتوافر إرادة لصانع القرار لاتخاذ قرار الغلق الإعلامي ؟ التكلفة السياسية لهذا الإغلاق يجب موازنتها بحراجة الوضع السياسي العام : عندئذ لن تبدو مكلفة على الاطلاق . ثم في الكويت المعالجة لا تقتصر على المنع والحجب فقط ؛ هناك دور يحتاج ملئه لي ( Spin Doctor ) بارع في توجيه الرأي العام وصياغته .

****

بعد ذلك احتاج الحديث عن الغول الجديد ! مؤرق نوم الحكام ! مهدد عروش الملوك ! الميديا الاجتماعية ؛ لكن منذ متى ُيخشى ” الثوار الكتبة ” ؟

أنا استهين تماماً بالقدرات التحشيدية للميديا الاجتماعية 68؛ لا تشكل لي أي هاجس ! أولا تجاربها التجميعية الفاشلة تفوق مثيلاتها الناجحة ؛ فشل في بيلاروسيا 2006 ؛ فشل في ايران 2009 ؛ فشل في تايلندا 2010 ؛ هي بعيدة كل البعد عن اعتبارها الوصفة السرية لنجاح الثورات ؛ حتى ثورات مصر وتونس الأخيرة من السخف افتراض لعبها لدور ما فمعظم من نفذوها هم من فقراء الطبقة الوسطى والدنيا البعيدين عن مواقع التواصل الاجتماعي ؛ ثم هناك خلط للاوراق فخلال الحركة الخضراء في ايران مثلاً يلاحظ أن أغلب من استخدم مواقع التواصل الاجتماعي خلالها كانوا من الأجانب خارج إيران ؛ اما ثورة ملدوفيا المعنونة اعلامياً ” بثورة التوتر” فبالبحث والتحصي تكتشف أن البلد يحوي أقل القليل من حسابات تويتر اصلا ! .

” مالكوم جلادويل ” يعيب على دعاوي النشاط السياسي في مواقع الميديا الاجتماعي من أكثر من زاوية ؛ أولاً الحراك السياسي هو عمل جدي له عواقبه ؛ يحتاج صلات قوية لتحشيد الأنصار لكن بنيوية الشبكات الاجتماعية القائمة على علاقات سطحية لا تنفع في هذا التحشيد ؛ تويتر هو وسيلة لمتابعة نشاط أشخاص قد لا تراهم في حياتك ؛ بينما الفيسبوك أداة للإبقاء على اتصال مع معارف هامشيين ربما كنت ستفقدهم لولاه ؛ هذا ما قد يجعل عدد أصدقائك على الفيسبوك لا الحياة الواقعية يصل لألف شخص . لكن التعبئة والحشد لتغيير سياسي عمل جدي له عواقب خطيرة لا تنفع معه هذه الصلات الهشة بل يتطلب قدراً من العلاقات الشخصية والثقة ؛ أميل للاتفاق معه فالأدبيات العلمية ترى أن التعبئة دائما ما تكون في مؤسسات اجتماعية وثيقة الروابط الاجتماعية ( صداقة شخصية / علاقة جيرة / علاقة قرابية / علاقة حزبية / علاقة نقابية / علاقة دراسية )69 .

ثانياً يبرز مفهوم Slacktivism ؛ 70 بنشاطات قليلة التكلفة مثل الانضمام لجماعة ” أنقذوا دارفور ” على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك يعتقد هؤلاء ” الكتبة ” أنهم قاموا بتغيير حقيقي لكن هذا التأييد العاطفي لا يترجم فعلياُ إلى انجاز حقيقي ينشأ عنه تحسن ؛ فعدد المنضمين لجماعة دارفور يتجاوز المليون والربع لكن قيمة متوسط مساهمتهم للقضية لا تتجاوز 9 سنت أمريكي : القيام بتغيير سياسي يستدعي التزام ثوري لا يتوافر لدى ” الكتبة ” 71 .

ثم أني أفسر هوس الإعلام والمجتمع بالدور السياسي المزعوم للميديا الاجتماعية تحت بند الحماسة ؛ الإعجاب بوهم هذا القادم الجديد الذي سيغير كل شيء ؛ الذي سيرجع قوة التغيير للفرد البسيط ؛ هذه الفكرة لها جاذبية خاصة لا  ُيستغرب رغبة العامة تصديقها . لكن العالم الافتراضي قد يكون مناسباً للثرثرة و التنظير ؛ لكن التغيير الحقيقي يستدعي شجاعة في عالم واقعي ؛ مثالاً صفحة ثوار سوريا يفوق منتسبيها على ” الفيس بوك ” 84 ألف ؛ صفحة ثورة ” حنين ” الوهمية يفوق منتسبيها العدد ذاته ؛ لكن أين هم في الواقع ؟ . ثم دعك من الشعارات ؛ الواقع يؤكد سهولة السيطرة السلطوية حتى على هذا العالم الافتراضي ؛ النموذج الصيني باهر في هذا المجال ؛ لكن حتى التجربة الكورية الجنوبية أثبتت فعاليتها .


المبحث الرابع

تفاعلات التدخل الخارجي على العملية الثورية


هذه الفقرة تتمحص في مدلولات التأثير الأمريكي / الدولي على العملية الثورية ؛ جدلها مباشر : هل للتأثير الخارجي فعل حقيقي على نتائج الحراك الشعبي ؟ هل تسقط أمريكا حلفائها القدامى ؟ هل ُيخشى ردة فعل أمريكية تجاه التوجهات القمعية لحلفائها ؟ أزعم أن لا وجود لمثل هذا التاثير ولا هذه الخشية ؛ ثم أدعم هذا الزعم بجملة من الشواهد والعلامات . سبري لأغوار الحدث المصري لا يعكس اهتمام حقيقي : هدفي استنباط فرضية عامة حول التدخل الخارجي على كيمياء العملية الثورية فمره أخرى أعود إلى الحالة الكويتية : هدفي تبيان حيادية المجتمع الدولي تجاه الحراك الشعبي في منطقة الشرق الأوسط ؛ لن تسقط أمريكا حلفائها الموثوق بهم لأجل” أوهام ديمقراطية ” ؛ أهمل أي أهمية للتصاريح الدعائية للمسئولين الأمريكيين ؛ هذه تصلح لقياده حملة علاقات عامة : تجميل صورة المبادئ الأمريكية ؛ لكن أمريكا في غير الوارد أن تخسر علاقاتها الإستراتيجية وتحالفاتها طويلة الأمد في هذه البقعة الجيوسياسية الحساسة .

في الحدث المصري ما الذي حدث ؟

الولايات المتحدة لم تقد الحدث بل انقادت خلفه ؛ في بداية الحدث تجاهلته ؛ حتي في حماوة التظاهرات أيدت نظام مبارك ” فالحكومة المصرية مستقرة وتعمل على الاستجابة لطموح شعبها “72  و ” مصر حليف قوي “73 ثم  ” مبارك ليس دكتاتوراً ولا يجب عليه التنحى بسبب هذه التظاهرات ” 74 حتى حين أُشير إلى استخدام الحكومة المصرية للعنف ضد المتظاهرين فإن موقفها وضع الحكومة و المعارضة في سله واحدة  ” فلا يجب على المتظاهرين أيضاً استخدام العنف “75 ؛ هنا الإدارة الأمريكية أعطت النظام وقتاً ليتعامل مع التظاهرات لكن عندما أُستنزف هذا الوقت ولم يستطع كبح جماح الاحتجاج ؛ حين بدأ غليان الميديا التلفزيونية يستدعي موقفاً صريحاً من الإدارة الأمريكية ؛ مع تطورات الشارع ؛ مع تخلي الجيش المصري عن النظام ؛ مع المظاهرات التي بدأت تكتسح الشارع ؛ حين أيقنت الإدارة الأمريكية أن هذه التظاهرات لن تختفي لوحدها بل ستستمر وتكبر ؛ حين وصلت إلى قناعة أن التغيير حاصل بها أو بدونها كان واجباً عليها أن تنقاد خلف هذه التوجهات وتظهر آراء مؤيدة لشكل من أشكال التغيير لم تحدده ” فالولايات المتحدة تدعو إلى انتقال سلمي ومنظم للسلطة ؛ لكن واشنطن لن تتدخل بين الحكومة والشعب المصري فلا يعود لبلدنا أن يقرر “76 حتى هذه الدعوة صاحبها ” التزام المسئولين الأمريكيون الغموض حين سؤالهم عما إذا كانت دعوة اوباما / كلينتون هذه تعني أن الولايات المتحدة تريد تنحي مبارك الآن “77 .

إذا الموقف الأمريكي كان بعيداً كل البعد عن الراديكالية ؛ اختار الصمت والغموض في البداية آملاً أن يستطيع النظام تجاوز محنته لكن حين رأى الأمور تسير في اتجاه تغيير السلطة قفز هذا الموقف إلى تأييد شكل هلامي من أشكال التغيير لم يلزم نفسه بتحديد حجمه ؛ بعدها حين أيقنت الولايات المتحدة بحتمية التغير بفعل عوامل مصرية داخلية فإنها على مضض أيدت هذا التغيير ؛ هذا أساس ما نقوله : الولايات المتحدة ليست في وارد تشجيع ثورات أو خسارة حلفاء تقليديين ؛ موقفها من مصر يوضح معضلتها الرئيسة : أضطرت إلى تأييد الثورة لما تبينت فرص نجاحها 78 .

تفحص حالة الحليفة البحرين مثلاً ؛ جاءت بعد أحداث مصر بأيام . لكن هذا لم يمنع أمريكا من قلب موقفها تماماً ” إبداء قلق ” تتبعه ” دعوات لضبط النفس ” و أخرى ” لوقف العنف من جميع الأطراف ” ؛ حتى سقوط قتلى لم يدفع الموقف الأمريكي للجموح كما فعل مع النظام المصري . هذه مفارقة ! لكنها تفسر الكثير . حتى دخول قوات أجنبية لم يثر حفيظة وزيرة الخارجية الأمريكية ” فمن حق الحكومة البحرينية طلب قوات خليجية “79 ؛ هي أمراة ذكية ؛ لا تعوزها الحنكة السياسية هي تعلم أن هذه القوات لم تعبر الجسر لأجل نزهة عصر الأحد ؛ أو لتوزيع الورود على المتظاهرين ؛ هي جاءت لضرب و تفريق واعتقال وحتى قتل المتظاهرين ؛ هي تعلم أيضاً أن هؤلاء المتظاهرين ليسوا عناصر أجنبية مدسوسة بل يشكلون السواد الأكبر من السكان فيقف خلفهم 7 جمعيات سياسية تمثل 18 من 40 نائب في المجلس التشريعي و 63.7% من إجمالي المصوتين في 2010 ؛ لكن هذا كله لم يثر حفيظتها ؛ ما الحكمة المستفادة هنا؟

في بقعة النفط والجيوسياسه هذه ؛ يستطيع الحاكم قمع شعبه بأي طريقه شاءت ؛ حتى إذا عجز يستطيع دائماً طلب دعم خارجي ؛ لا خشية من ردة فعل أمريكية : المرجفون فقط من يتحدثون عن ضغوطات أمريكية تجاه الإجراءات القمعية لحلفائها ؛ هنا لا تهتم أمريكا إلا بمصالحها 80؛ 81 .

حتى الدراسات العلمية 82 تقول ذات الأمر ؛ فبيئة ما بعد الحرب الباردة وفرت عوامل تأثير جديدة على فعل نشر الدمقرطة و مبادئ حقوق الإنسان وحرية التعبير ؛ ” طبيعة شكل العلاقة بين النظام محل البحث و الغرب يترابط مع مدى فعالية نجاح الضغط الغربي في نشر الديمقراطية ” . نوع العلاقة ُيحدد ضمن إطارين ؛ أولاً هل يوجد نفوذ غربي ( Western Leverage) على الدولة محل الدراسة ؟ ثانياً هل يوجد ارتباط غربي ( Western Linkage ) مع الدولة محل الدراسة ؟ . “ النفوذ الغربي ” يٌعرف على انه ضعف الدولة القمعية إزاء الضغوطات الغربية ؛ طبيعة الضغوطات قد تأخذ شكل الضغط الدبلوماسي ؛ العقوبات الاقتصادية ؛ المشروطية السياسية ؛ التدخل العسكري . “ الارتباط الغربي ” يُعرف بعمق علاقة الدولة القمعية مع ( الولايات المتحدة ؛ دول الاتحاد الأوروبي ؛ المنظمات عابرة السيادة ذات الأساس الغربي )  طبيعة العلاقة قد تأخذ الشكل الاقتصادي ؛ قد تكون مرتبطة بالجغرافيا ؛ قد تكون لها خلفيتها الثقافية – الاجتماعية ؛ قد تتشكل نتيجة علاقات تفاعل إعلامي ؛ أو تتكون بجهود علاقات مؤسسات المجتمع المدني داخل وخارج البلد . يصل الباحثين إلى أن ” النفوذ الغربي ” على نظام ما يلعب دوراً في حمله على الدمقرطة وحماية حقوق الإنسان لكن وجود هذا النفوذ مع ” ارتباط غربي ” في ذات الوقت له التأثير الأكبر . لكن حالة دول الشرق الأوسط ( من ضمنها الكويت ) تذهب في غير هذا الاتجاه ؛ فللنفوذ والارتباط الغربي في هذه المنطقة درجة ضئيلة لا تتيح لضغوط الدمقرطة أن تنجح . هذا ليس كل شيء ؛ ” فالنفوذ الغربي ” للضغط من أجل الدمقرطة تحدده عوامل هو الأخر ؛ فوجود مصالح اقتصادية غربية ( الكويت خامسة عالمياً بالاحتياطي النفطي) أو مصالح أمنية ( القاعدة الأمريكية في الكويت ضد النفوذ الإيراني ) تمنع أمريكا من الضغط فعلياً من أجل الديمقراطية أو حتى من الدفاع عنها في حالة النكوص عنها ؛ ” ففي الشرق الأوسط القوى الغربية أقل احتمالاً لدعم إصلاحات سياسية ” 82 و أصلاً ” النفوذ الغربي نادراً كافي للدمقرطة “82 . كما أن في دراسة حديثة و مفصلة لحالات مصر و السعودية  ُيثبت ” أن عدم الرغبة الأمريكية في ربط دعمها لهذه الأنظمة مع تحسين سجل حقوق الإنسان والديمقراطية لدى هذه الأنظمة هو الباعث الرئيسي لفشل التحول الديمقراطي في المنطقة ” 83 ؛ ثم هو يشرح أبعاد قدرة الولايات المتحدة على ممارسة ضغط فعلي على حلفائها بالمنطقة ؛ ” فقد بادلوا الديمقراطية بسلام إقليمي ” 83. حتى إن إدارة اوباما رغم كل الضجيج حولها ” قدمت مزيج من الخطاب الأقل حدة والأفعال الأقل تأثيراً تجاه الإصلاحات السياسية في المنطقة ” 83.

بخلاصة واضحة لا تحتاج تكرار ننتهي ؛ عجز الغرب أو لا مبالاته في نشر الديمقراطية / مواجهة التوجهات القمعية / الدفاع عن حقوق الإنسان في هذه البقعة يفتح الطريق واسعاً أمام حلفائه الشرق أوسطيين لتبني إجراءات قمعية . الترجيف والتخويف بضغوطات أمريكية لا يجاوز منطق سخافته .


المبحث الخامس

النخبة ! النخبة ! النخبة ! … من يسقط النظم ؟


بعد تفنيد الأثر الخارجي على اتجاه الثورات الواجب هو التعليق على المؤثر الأهم على هذا الاتجاه : تخلي النخبة ( Elite ) عن مؤسسة الحكم  ؛ النخبة في حالة مصر كانت إجمالاً عسكرية ؛ تغيرها الفجائي – الحاسم هو من أسقط النظام ؛ لا المتظاهرين ؛ لا أمريكا ؛ لا الميديا التلفزيونية ؛ هؤلاء قد / وقد لا يكونوا لعبوا لدوراً ما لكن الإسقاط الفعلي تم بأيدي العسكر . أهدف خلف غبار المعركة إلى جلاء دور الجيش كالركيزة الأساسية  في سقوط مبارك ؛ وخلف هذا الجلاء أتبني فرضيتي حول مركزية دور النخبة في خضم ” العملية الثورية “

في الحالة المصرية مظاهر هذا الإسقاط تظهر في 3 إشارات رمزية  ُيشدد على أهميتها :  لم يبذل الجيش جهدا في تنفيذ الامر العسكري بحظر التجول بل تسامح مع التظاهر وخرقه 84؛ هذه أول الإشارات السلبية عن مدى الدعم الذي يحظى به النظام وسط قاعدته العسكرية ؛ تكررت سلبية هذه الإشارات حين أصدر الجيش بياناً يعلن ” تفهمه لمطالب المحتجين الشرعية “85 أو حين تبرع بدون طلب بالاعلان عن ” عدم نيته إطلاق النار على المتظاهرين ” 86. بإستعادة نموذج ” ريشارد بيرك ” في ” الحساب العقلاني لتصرف الجماهير ” 87 فإن هذه المسافة التي أرادها الجيش لنفسه من النظام فتحت أبعاداً جديدة أكثر اتساعاً لقوى المعارضة في التعبئة والحشد  : في الخطوة الخامسة من هذا النموذج أصبحت الأمور أسهل حساباً : ُقللت احتمالات الخسارة والتضحية وأرتفعت احتمالات الربح والفوز فانضمت الملايين للثورة دون خوف من بندقية الجيش . حتى بإهمال هذه الرمزيات تبقى حقيقة أن أمر الرحيل الذي أعطى لمبارك لم يعطى من المتظاهرين ؛ لم يعطى من الميديا التلفزيونية ؛ لم يعطي من الخارج ؛ لكن جاء من الدعامة الرئيسية للنظام : الجيش  . هذه معضلة حقيقية !  ففي المحصلة النخبة العسكرية هي مؤسسة الحكم ذاتها 88! : لا تستطيع معرفة أين يبدأ المدني وأين ينتهي العسكري ؛ تداخل الطبقتين لا يحتاج تبيان لكن تعليل هذه المسافه التي وضعها الجيش بينه وبين واجهته الزجاجية ليس صعباً ؛ ولا تعليل اسقاطه في النهاية ؛  فعندما أصبح الشكل الخارجي للنظام عبئاً على أعمدته بدل شكله الظاهري ؛ سابق نجاح الثورة الشعبية بانقلاب قصر تصحيحي ( coup d’état): هذه لن تكون المرة الاخيرة التي يسرق بها العسكر ثورة شعبية 89. ومن الممتع ترقب انسحاب العسكر إلى ثكناتهم بعد تقديمهم للديمقراطية 90.

لا ُيحتاج للنخبة أن تكون معسكرة ؛ حالات ليبيا و اليمن أتبعت هذا النسق ؛ تخلى النخبة البيروقراطية عن النظام ؛ في سيناريو واحد يتتابع اعلان استقالات قيادات مدنية كبار ودبلوماسي الخارج ؛ لاحظ أن مصر لم تشهد هذا النمط ؛ لماذا ؟ ؛ لأن هذا النمط يصلح فقط في دول لا مركزية مثل ليبيا و اليمن حيث يستطيع المتمردين الاحتماء بالجبال اليمنية الوعرة أو ببعد المسافة والصحراء بين المدن كما في ليبيا ؛ وفي الحالتين يستطيعون الاحتماء بعلاقات عشائرية مسلحة لم تتوفر في حالة مصر . هذا عامل نجاح الثورة الأهم : عندما تتخلى النخبة عن النظام ؛ عندما تتساقط أساسات النظام الواحده تلو الاخرى يسقط هذا النظام .

إذ عرفنا الجيش المصري كعامل مرجعي في نجاح ” الثورة – الانقلاب المصري ” ننتقل إلى الكويت ؛ لا يوجد الكثير ليقال ؛ لدينا جيش محترف بعيد عن السياسة والادلجة ؛ أبناء النظام يسيطرون على المفاصل الاساسية لقوته ؛ لا مجال لتكرار سيناريو مصر ؛ ثم حتى بافتراض الاسؤ ؛ حتى بافتراض الخيالي ؛ فإن البعد الاستراتيجي السعودي و من خلفه منظومة مجلس التعاون لن يسمح للخيال أن يصبح واقعاً ؛ أنا أنفي هذا العامل في البيئة الكويتية : حيثما يقف النظام تجد الجيش صفاً واحداً خلفه . لكن ماذا عن النخبة البيروقراطية / المجتمعية ؟ لا رأي لدي في هذا الصدد لكني أفترض أن عاملان سيلعبان دورا هنا ؛ أولاً مدى تماسك النظام ؛ لن ينقلب المتسلقين أو يتخلوا عن مراكزهم إلا حين يتبين الخيط الأبيض ؛ ثانياً صغر ومركزية الدولة مانع لهذا التخلي .


المبحث السادس

في معمعة الثورة … أخبرني ماذا أفعل ؟


في هذا المجال أخرج إلى فرضية عامة : مخرجات أي ” عملية ثورية ” مرتبطة جزئياً بفشل طبقة الحكم في حسن إدارة الأزمة ؛ العملية الثورية لا تنتهي بخروج الغوغاء للشارع ؛ إلى اللحظة الأخيرة تستطيع إنقاذ نفسك ؛ على الأقل إذا استعنت بخدمات ريشيليو أو تاليران جديد لكن إذا خذل النظام نفسه بإجراءاته ( البطيئة / الخاطئة / الجامدة ) فسيستحق مصيره .

هذه ليست بالجدلية الحديثة أو السبق الجديد : تلقى صداها في أدبيات الثورات ؛ ” فالأوضاع الهيكلية لمجتمع ما قد تفتح الستارة لمشهد الصراع ؛ لكن شكل ونتيجة هذا الصراع غالباً تحدد أثناء العملية الثورية نفسها ” 91 ؛ فأفعال النظام خلال العملية الثورية ذاتها هي من تحدد إلى حد ما مصيره ؛ ثم العديد من الحركات الاجتماعية ( Social Movements ) بدأت كحركات احتجاجية / تظاهرية ذات سقف منخفض نسبياً لم يرتفع إلا نتيجة تعامل النظام الخاطئ ؛ حتى أن ” لا فرق بين الحركات الاجتماعية  و الثورات فجميعهم يشتركون في ذات الأوضاع الهيكلية ؛ لكن تطور الحركة الاجتماعية إلى ثورة كاملة يعتمد على كيفية تعامل النظام ؛ النخبة ؛ الجماهير مع الحدث الثوري ” 92.

لذلك واجباً دراسة أسلوب التعامل مع العملية الاحتجاجية أثناء تشكلها في ” العملية الثورية ” ؛ بفهم حقيقي لأخطاء التعامل هذه ُيتجنب المنحنى التصاعدي للثورة ؛ تنجح في تحجيمها إلى تمرد هامشي ينفض سريعاً . بالتمعن في الحدث المصري سأحاول الغوص في أفعال النظام في خضم ” العملية الثورية ” ؛ منها أهدف إلى تبيان نمط محدد لخطايا تقع بها الأنظمة .    إذا كيف أخطأ النظام المصري ؟

في الجبهة الأولى عندما اقترب الخطر فشل النظام في تشخيص أبعاد الأزمة ؛ لم يعي حجمها الحقيقي ؛ فارتكب الخطيئة الأولى التي يحذر منها خبراء الأزمات : افترض أن الأزمة ستختفي بمفردها هذا أولاً ؛ بعد التساهل والتهاون لما أدرك النظام ثقل ما يجري جاءت الخطيئة الثانية :  فهو أخذ في تقديم التنازلات ” فأقال الحكومة ” . جزئياً أتفهم دوافعه لكن عندما تشعر غوغاء الشارع بنشوة انتصارها سريعاً تأخذ في رفع سقف مطالبها 93؛ هذا ما حصل 94؛ ثم هذه الخطيئة صاحبتها اشكالات جانبية فهو لم يقدم تنازلاته دفعه واحدة وإنما اخذ بتقديمها على مراحل ؛ ” فأقال الحكومة ” أولاً ؛ ” عين نائبا له ” ثانياً ؛ ” أعلن عدم نيته الترشح مستقبلاً ” ثالثاً ؛ ؛ ثم أخيراً  ” فوض صلاحياته لنائبه ”  . تفنن النظام الهالع بتوزيع مثيرات تعزيزية ( Reinforcers ) على مراحل أدى إلى الإطاحة به ؛ ُفتبع كل سلوك تظاهري / تصعيدي بتنازل جديد من جانب النظام : مكافأة تدفع الجماهير لمعاودة هذا السلوك ؛ هذا تعزيز ايجابي ( Positive Reinforcement ): بالتعرض لمشهيات محفزة مكرراً ُيجنح لزيادة احتمالية تكرار بل التصاعد في الفعل الأصلي المنشأ لهذه المشهيات في المقام الأول 95.

مع جرعات التعزيز الايجابي التي حصلت عليها الجماهير؛ عندما رأت النظام يخضع المرة تلو الأخرى لابتزازها التصعيدي فيكافئها بتنازلات جديدة فإنها رفعت سقف مطالبها ؛ فتحولت من مطالب شعبوية تتعلق بمستوى المعيشة إلى مطالب ترفض توريث الحكم ؛ ثم إلى مطالب أكثر جنوحاً تريد إسقاط النظام برمته 96.                                                                                                                                                                          توالت الأخطاء ؛ تشكيل الحكومة الجديدة استغرق 3 أيام ؛ تبعتها 8 أيام ضائعة حتى تعقد أول اجتماعاتها لمواجهة الأزمة . لا غرابه إذا ! أفهم الآن سر سقوط النظام : البلد على صفيح ساخن ؛ النظام في مهب الريح ولا ُيمليء الفراغ الحكومي طوال هذه المدة ؟ أين ” الخبز والسيرك ” ؟ ؛ حتى حين جاء ” الخبز ولحقه السيرك ” كان هزيلاً : ُرفعت بعض الرواتب الحكومية و المعاشات بنسبة 15% ؛ الزيادة لا تشمل أكثر من 10% من السكان ؛ عندها سبق السيف العذل ؛ لم يعد هذا كافياً ؛ ربما لو جاءت في بادية الاحتجاجات لظهر لها مفعول لكن بعد 11 يوم من التظاهر لم تثر إعجاب أحدا . لا تقدر بثمن هي الاجراءات المعيشية ؛ منذ الرومان و ينصح الفلاسفة الساسة بجدواها كأداة للتحكم الاجتماعي بغوغاء شعبية هائجة ؛ يراها جوستاف لوبون صاحب المجلد المرجعي ” سيكولوجية الجماهير ” في ذات الإطار . تأخر النظام المصري فيها لا يغفر أبداً 97.

لم تتوقف الأخطاء هنا ؛ أخفق النظام ومن خلفه حزبه الوطني في حشد شارع موالاة يقابل شارع الاحتجاج والثورة ؛ حتى تطوع البابا شنودة باعلان تأييده لمبارك لم ُيستثمر  ؛ في الانتقال السلطوي للأقليات ميل دائم لرفض التغيير خوفاً من القادم المجهول ؛ لكن النظام المصري أخفق في استثمار خدمات الاقلية فبدا معزولاً مهمشاً وحيداً . فالثورة كي تنجح تحتاج غطاء شعبي جامع ؛ لابد من عبورها لجميع الطبقات والاطياف الاجتماعية ؛ لكن عندما ُتوظف شارع ضد شارع و جمهور ضد جمهور فإن عجزها عن إقامة ائتلاف واسع يظهرها كصراع اجتماعي لا ثورة شعبية . ثم الفريق الآخر لن يسمح بانتصارها أصلاً  فتبقى الحالة القائمة Status Quo 98.

في الكويت ؛ كجدل نظري سأختصره في رؤوس أقلام سريعة ؛ بمراعاة هذه الخطايا التي عددتها فإن للنظام أوراق إضافية يستطيع التلاعب بها ؛ أولاً عليه فهم أن تقديم تنازلات يعود بالضرر عليه ؛ سيسلم وقتياً لكن على المدى البعيد سيخسر : لا تنازل ! لا تعزيزات ايجابية جديدة !  ثم بالاجراءات المعيشية يستطيع فعل الكثير ! لا تستهين بالفعالية السياسية للمال ( تأمل كيف طار الكويتيين بالألف )  ثم لديك شوارع بدل شارع ؛ وإذ ترغب بعض الفئات بالتظاهر والاحتجاج فإن فئات اجتماعية أخرى عند تجييشها سترفض هذا الحراك . كون بنيوية المجتمع شبه عشائرية تقليدية فلا تنسى دور رجال الدين والوجهاء و شيوخ القبائل ؛ لا تنساهم أبداً .

لتحميل الهامش أضغط Hamash


انهم يخشون الكتب !

” كتابي يأتي بدون مخالب تجرح ؛ كتابي يأتي بدون أسنان تعض ؛ كتابي حسب ما أذكر ليس له ألسنة لهب تحرق ؛ لماذا تخافونه إذا ؟ “

قضية هذا الكتاب بسيطة ؛ أستطيع أن أقول إنها مكررة لحد الملل ؛ دأباً على عادتها في المنع قررت وزارة الاعلام عدم السماح بنشر كتابي محلياً .

ليس هذا فحسب حتى محاولاتي مع المكتبة الوطنية ( ليس لنشر الكتاب وإنما فقط لضمان حقوقي في الملكية الفكرية ISBN ) باءت بالفشل ؛ قوبلت بالرفض ؛ التجاهل ؛ الصمت .

لكني أرفض هذا ؛ في غير الوارد بالنسبة لدي أن أسمح لبضعة بيروقراطيين على الدرجة الخامسة وقفي ؛ منعي من التعبير عن آرائي ؛ في غير الوارد أبداً !

من هنا يأتي هذا الموقع الشخصي الذي أوفر به نسخة قابله للتحميل من هذا الكتاب .

تستطيع وزارة الاعلام الكويتية استخدام كل جبروتها لمنعي من النشر محلياً لكني اشك جذرياً بقدرتها على منعي من النشر الالكتروني ؛ أو حتى بقدرتها على منعي من النشر الورقي خارجياً ( لبنان ؛ مصر ؛ المملكة المتحدة ) .

***

وإذ أخوض بالشأن المحلي تفصيلا فإني نعم أفهم لما صور للبعض أجزاء من هذا الكتاب على انه هجوم مركز ضد جماعات اجتماعية معينة
لكن حقيقةً الامر إني لم أنقل الا صورة واقعية للمجتمع الكويتي ؛ تصفح الكتاب برمته كما بدالك ! تصفحه مثنى وثلاث ستعجز عن العثور على رأي شخصي واحد ؛ لم أكتب معلومة إلا واتبعتها بمصدر ؛ لم أخط سطراً إلا وألحقته بمرجع يسنده ؛ ليس ذنبي أن هذا واقعكم ! ليس ذنبي أن هذا تاريخكم !

أرفض أن أعيش كما غيري يعيش في عالم من الاوهام ؛ ليس واجبي أن أسهر على راحتكم بينما تغطون في احلامكم الوردية بل سأريكم ما لا تريدون رؤيته !

ثم إني أعجز عن فهم مسببات المنع ؟ لماذا تمنعون كتابي ؟

منذ متى تنهار المجتمعات بسبب كتاب أو رأي ؟ هذا شيء جديد بالنسبة لي ! أي وحدة وطنية هزيلة تحمونها ؟ أي وحدة وطنية هزيلة يهزها كتاب بسيط ؟ الا يكشف هذا المنع مرة أخرى هشاشة هذا المجتمع ؟ الا يكشف مرة أخرى تشرذمه إلى مجموعات اجتماعية متنافرة ؟ الا يؤكد هذا المنع مرة أخرى فرضيات الكتاب نفسها ؟

العلة ليست بالكتاب ! العلة أبداً لم تكن بكتاب ! العلة مجتمعية…!